يُعد سد النهضة الإثيوبي (GERD)، وهو أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، بؤرة للتوتر الإقليمي لأكثر من عقد من الزمان. يقع السد على النيل الأزرق في إثيوبيا، ويعد بتوليد كميات هائلة من الكهرباء من أجل التنمية في إثيوبيا، بينما يثير مخاوف لدى دول المصب - مصر والسودان - بشأن الأمن المائي.
اعتبارًا من سبتمبر 2025، أصبح سد النهضة قيد التشغيل الكامل، حيث ينتج الطاقة من توربيناته، ومع ذلك لا يزال الجمود الدبلوماسي مستمرًا. وقد أحيت التطورات الأخيرة، بما في ذلك عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 16 يناير 2026 للتوسط في المفاوضات، الآمال في التوصل إلى حل. غيرت مصر موقفها لتطالب بتعويضات عن الأضرار المزعومة، بينما تنظر إثيوبيا إلى السد كرمز للاعتماد على الذات. ووسط هذه المناورات الجيوسياسية، يجادل الخبراء بأن التكنولوجيا يمكن أن تجسر الهوة، مقدمةً حلولًا عادلة قائمة على البيانات لإدارة الموارد المائية دون صراع.
جوهر الصراع: المياه مقابل الطاقة
يؤثر خزان سد النهضة، القادر على استيعاب مليارات الأمتار المكعبة من المياه، على تدفق النيل الذي تعتمد عليه مصر في أكثر من 90% من مياهها العذبة.
موقف إثيوبيا: تصر إثيوبيا على أن السد غير استهلاكي للمياه ومصمم في المقام الأول لتوليد الطاقة الكهرومائية.
مخاوف مصر: هناك خشية من أن عمليات الملء والتشغيل أثناء فترات الجفاف قد تؤدي إلى تفاقم النقص في دول المصب.
موقف السودان: العالق في المنتصف، يستفيد السودان من السيطرة على الفيضانات ولكنه يخشى من الترسبات (الطمي) والتدفقات غير المنتظمة.
مع تكثيف تغير المناخ لفترات الجفاف الطويلة، أصبحت الحاجة إلى حلول مبتكرة أمرًا ملحًا.
البيانات المفتوحة والمراقبة الآنية: بناء الثقة من خلال الشفافية
أحد أكثر المسارات التكنولوجية واعدة هو تبني العلوم المفتوحة ومنصات تبادل البيانات. يقترح الباحثون إطارًا تشارك فيه إثيوبيا بيانات فورية (آنية) حول مستويات الخزان، والتدفقات الواردة والخارجة، وتوقعات هطول الأمطار، وعمليات تشغيل توربينات سد النهضة.
يمكن لصور الأقمار الصناعية، وأجهزة استشعار إنترنت الأشياء (IoT)، وقواعد البيانات المؤمنة بتقنية "البلوك تشين" (سلسلة الكتل) أن تضمن شفافية غير قابلة للتلاعب، مما يسمح لمصر والسودان بالتنبؤ بالتأثيرات والتخفيف من حدتها.
مثال: تقوم أقمار "غريس" (GRACE) التابعة لناسا بالفعل بتتبع تغيرات تخزين المياه في حوض النيل. ويمكن أن يؤدي دمج ذلك مع أجهزة الاستشعار الأرضية إلى إنشاء نظام مراقبة موحد.
يمكن أن يتيح هذا النهج تصريفًا منسقًا للمياه بين سد النهضة والسد العالي في مصر بأسوان، مما يحسن استخدام المياه خلال فترات الجفاف دون المساس بإنتاج الطاقة في إثيوبيا - مما قد يحقق 87% من قدرة الطاقة الكهرومائية للسد دون خلق عجز لدى دول المصب.
الذكاء الاصطناعي ونماذج المحاكاة: التنبؤ بالمستقبل
يبرز الذكاء الاصطناعي (AI) كعامل تغيير جذري في دبلوماسية المياه. استخدم العلماء نماذج الذكاء الاصطناعي لتوضيح كيف يمكن لجميع الدول الثلاث الاستفادة من سد النهضة. يمكن لخوارزميات التعلم الآلي، التي يتم تغذيتها ببيانات المناخ التاريخية والنماذج الهيدرولوجية والتوقعات الاقتصادية، محاكاة سيناريوهات الجفاف والتوصية بعمليات التشغيل المثلى للسد.
أدوات مثل تلك التي طورتها كلية فيتربي للهندسة بجامعة جنوب كاليفورنيا (USC) تستخدم الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة إدارة الجفاف، وضمان طاقة كهرومائية مستدامة مع تقليل نقص المياه.
يمكن لإثيوبيا دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة التحكم الخاصة بالسد لسياسات ملء تكيفية، بحيث يتم التعديل بناءً على توقعات الطقس الآنية من خدمات مثل "آي بي إم واتسون" (IBM Watson) أو نماذج المناخ من "جوجل ديب مايند" (Google DeepMind). مثل هذه التكنولوجيا يمكن أن تنزع الطابع الأمني عن النزاع من خلال توفير اتفاقيات موضوعية مدعومة علميًا بدلًا من المفاوضات الصفرية (التي لا تقبل إلا رابحًا وخاسرًا).
تقنيات كفاءة المياه: تقليل اعتماد دول المصب
يمكن للتكنولوجيا أيضًا تخفيف مخاوف مصر والسودان من خلال تعزيز كفاءة استخدام المياه لديهما.
الري المتقدم: يمكن للأنظمة مثل الري بالتنقيط والزراعة الدقيقة، المدعومة بالطائرات المسيرة وأجهزة استشعار التربة، أن تقلل من فقدان المياه بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بطرق الغمر التقليدية.
إعادة تدوير مياه الصرف الصحي: تستثمر مصر بالفعل في إعادة تدوير مياه الصرف الصحي وتنويع المحاصيل لزراعة أصناف أقل استهلاكًا للمياه، بمساعدة رسم الخرائط عبر نظم المعلومات الجغرافية (GIS) والاستشعار عن بعد.
تحلية المياه: توفر المحطات التي تستخدم التناضح العكسي والتكنولوجيا التي تعمل بالطاقة الشمسية مصدرًا بديلًا؛ حيث يمكن لمنشآت مصر المتوسعة أن تعوض الانخفاضات من النيل.
يمكن للمشاريع التعاونية، مثل مبادرات الزراعة المشتركة المحسنة بالذكاء الاصطناعي، أن تعزز العلاقات الاقتصادية، حيث تقوم إثيوبيا بتصدير الكهرباء المولدة من السد لتشغيل هذه الأنظمة.
التحديات والمسار المستقبلي
على الرغم من هذه الابتكارات، فإن التنفيذ يتوقف على الإرادة السياسية. يسلط انخراط الصين في بناء السد الضوء على دور التمويل التكنولوجي الدولي، لكنه يعقد الحياد أيضًا. ويمكن لجهود وساطة الرئيس ترامب، التي تؤكد على مبيعات الكهرباء أو تقاسمها، أن تدمج بنودًا تكنولوجية في الاتفاقيات.
يحذر الخبراء من أنه بدون بروتوكولات ملزمة مدعومة بالتكنولوجيا، تظل مخاطر التصعيد قائمة. ومع ذلك، ومع تصاعد ضغوط المناخ، توفر التكنولوجيا أرضية محايدة للتعاون، مما قد يحول سد النهضة من مصدر للنزاع إلى نموذج للاستدامة الإقليمية.
في عصر تُعد فيه البيانات قوة، فإن الاستفادة من التكنولوجيا قد تروي أخيرًا عطش الحل في حوض النيل.
![]() | ![]() | ![]() |
![]() | ![]() | ![]() |





