في تحول درامي للأحداث يتوج سنوات من المعارك القانونية والمناورات السياسية، نجح تطبيق "تيك توك" في تجنب حظر شامل على مستوى البلاد في الولايات المتحدة من خلال إتمام صفقة لبيع عملياته الأمريكية. والاتفاقية التي وُقعت في وقت سابق من هذا الشهر، تنص على إنشاء مشروع مشترك جديد يخضع لسيطرة مستثمرين يتخذون من الولايات المتحدة مقراً لهم بشكل أساسي، مما يعالج المخاوف القائمة منذ فترة طويلة بشأن الأمن القومي والتي أثارها المشرعون والسلطة التنفيذية. وتضمن هذه الخطوة لأكثر من 170 مليون مستخدم أمريكي الاستمرار في الاستمتاع بتطبيق الفيديوهات القصيرة الشهير دون انقطاع، مما يعد انتصاراً كبيراً للمنصة وسط تصاعد التوترات التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين.
الخلفية: ملحمة طويلة من التهديدات والتأجيلات
بدأ شبح حظر "تيك توك" يخيم على الولايات المتحدة منذ عام 2020، عندما أصدر الرئيس الأسبق دونالد ترامب لأول مرة أوامر تنفيذية تشير إلى وجود مخاطر على الأمن القومي بسبب ملكية التطبيق لشركة التكنولوجيا الصينية العملاقة "بايت دانس". وتركزت المخاوف حول احتمالية وصول الحكومة الصينية إلى البيانات وخطر التلاعب بالمحتوى من خلال خوارزمية التطبيق. وقد اشتدت هذه المخاوف في عام 2024 بصدور تشريع يحظى بدعم من الحزبين يتطلب من "بايت دانس" التخلي عن 80 في المئة على الأقل من أصولها في الولايات المتحدة لصالح كيانات غير صينية، أو مواجهة حظر تام.
أيدت المحكمة العليا القانون في يناير 2025، لكن التنفيذ تأجل مراراً للسماح بإجراء مفاوضات. وتم تمديد المواعيد النهائية عدة مرات، كان آخرها من 16 ديسمبر 2025 إلى 22 يناير 2026، لمنح "بايت دانس" والمشترين المحتملين وقتاً لصياغة الصفقة. وقد دعم الرئيس ترامب، الذي كان من أشد المنتقدين لعلاقات "تيك توك" بالصين، الاتفاقية شخصياً، مؤكداً أنها وسيلة لحماية المستخدمين الأمريكيين مع الحفاظ على القيمة الاقتصادية للتطبيق.
ولولا هذا الحل، لكان "تيك توك" قد واجه إغلاقاً محتملاً في وقت مبكر من منتصف يناير 2026، مما كان سيؤدي إلى تعطيل عمل صناع المحتوى والشركات والمستخدمين العاديين الذين يعتمدون على المنصة في الترفيه والتسويق والتواصل الاجتماعي.
تفاصيل الصفقة التاريخية
تتضمن الاتفاقية المعلنة في 18 ديسمبر 2025 تحويل عمليات "تيك توك" في الولايات المتحدة إلى كيان جديد يسمى "تيك توك يو إس دي إس للمشروع المشترك ذات مسؤولية محدودة" (TikTok USDS Joint Venture LLC)، بقيمة تقدر بنحو 14 مليار دولار. وسيكون هذا المشروع المشترك مملوكاً بأغلبية لمجموعة من المستثمرين، وفقاً للهيكل التالي:
حصة الملكية | الجهة المستثمرة | الدور/الوصف |
|---|---|---|
50 في المئة | مجموعة مستثمرين بقيادة أمريكية | تشمل شركة أوراكل، وسيلفر ليك، وشركة MGX الاستثمارية ومقرها أبوظبي؛ حيث ستلعب أوراكل دوراً محورياً في تأمين بيانات المستخدمين الأمريكيين. |
أكثر من 30 في المئة | فروع لمستثمرين حاليين في "بايت دانس" | وهي صناديق تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها ولها حصص سابقة في "بايت دانس". |
19.9 في المئة | شركة "بايت دانس" الصينية | تحتفظ الشركة الأم بحصة أقلية لكنها تتنازل عن السيطرة. |
بموجب هذه الشروط، سيتولى الكيان الأمريكي الجديد مهام حيوية مثل تخزين البيانات، وتدريب الخوارزميات، والإشراف على المحتوى للمستخدمين الأمريكيين. وستقوم شركة "أوراكل" بتخزين جميع بيانات المستخدمين الأمريكيين في بيئة سحابية آمنة، وإعادة تدريب خوارزمية توصية المحتوى حصرياً بناءً على البيانات المحلية لمنع أي تأثير خارجي. ويهدف هذا الإعداد إلى عزل العمليات في الولايات المتحدة عن نفوذ "بايت دانس" العالمي، مع إجراء تدقيق مستقل للتحقق من الامتثال لمعايير الأمن القومي.
في الوقت نفسه، ستستمر "بايت دانس" في إدارة الجوانب العالمية لـ "تيك توك"، بما في ذلك التجارة الإلكترونية والإعلانات والتسويق، مع ضمان التوافق التشغيلي مع المنصة الأمريكية. وتتطلب الصفقة موافقات نهائية من الهيئات التنظيمية الأمريكية، بما في ذلك لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تصريح من السلطات الصينية. ومن المتوقع إتمام الصفقة بحلول 22 يناير 2026.
التداعيات على المستخدمين والمشهد التكنولوجي
بالنسبة لقاعدة مستخدمي "تيك توك" الضخمة في الولايات المتحدة، تعني هذه الصفقة استمرار الأمور كالمعتاد، ظاهرياً على الأقل. وسيحتفظ المستخدمون بالوصول إلى مكتبة المحتوى العالمي، مما يتيح لهم "مواصلة اكتشاف عالم من الإمكانيات اللامحدودة كجزء من مجتمع عالمي حيوي"، كما صرح الرئيس التنفيذي لـ "تيك توك"، شو تشيو، في مذكرة داخلية. أما خلف الكواليس، فإن الحماية المعززة للبيانات والإشراف المتمحور حول الولايات المتحدة قد يؤديان إلى تغييرات طفيفة في توصيات المحتوى وإنفاذ السياسات، مما قد يجعل التجربة أكثر مواءمة للجمهور الأمريكي.
ومن منظور الأمن القومي، يخفف هذا الانفصال من المخاوف المتعلقة باختراق البيانات أو الدعاية الموجهة، حيث ستكون العمليات الأمريكية محمية بجدار ناري يفصلها عن الرقابة الصينية. ومع ذلك، يرى المنتقدون أن احتفاظ "بايت دانس" بحصة في الشركة قد يظل يشكل مخاطر، وطالب بعض المشرعين بمراجعة من قبل الكونغرس لكامل شروط الصفقة.
اقتصادياً، تحافظ الاتفاقية على الوظائف والإيرادات المرتبطة بـ "تيك توك"، الذي يدعم آلاف المبدعين والشركات الصغيرة. كما تشكل سابقة في كيفية التعامل مع منصات التكنولوجيا المملوكة لأجانب، مما قد يؤثر على صفقات مستقبلية تشمل تطبيقات مثل "وي شات" أو تطبيقات صينية أخرى.
ردود الفعل والتوقعات المستقبلية
احتفلت قيادة "تيك توك" بالصفقة بوصفها "علامة فارقة" في حل المأزق. وأكد الرئيس التنفيذي شو تشيو على فوائدها للمستخدمين، بينما أعربت "بايت دانس" عن التزامها بالامتثال. وعلى الجانب الصيني، كرر متحدث باسم وزارة الخارجية موقف الصين الثابت بشأن هذه القضية، تاركاً الأمر للسلطات المعنية دون تأييد أو معارضة صريحة.
وأشاد الرئيس ترامب بالاتفاقية ووصفها بأنها "صفقة رائعة لأمريكا"، مديناً بالفضل لها في حماية المصالح الوطنية مع تجنب حظر مدمر. ومع ذلك، يعتمد نجاح الصفقة على الحصول على الموافقات في الوقت المناسب؛ وأي تأخير من بكين قد يشعل تهديدات الحظر مرة أخرى. ومع اقتراب الموعد النهائي في يناير، تتجه كل الأنظار إلى عملية اللمسات النهائية. وفي الوقت الحالي، يواصل "تيك توك" حياته في الولايات المتحدة، كشاهد على التفاعل المعقد بين التكنولوجيا والسياسة الجغرافية والتجارة في العصر الرقمي.
![]() | ![]() | ![]() |
![]() | ![]() | ![]() |





